الفيض الكاشاني
190
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
إليك وإليهم ، وإنّما خلقتك وخلقتهم لأبلوك وأبلوهم أيّكم أحسن عملا في دار الدنيا في حياتكم وقبل مماتكم . ولذلك خلقت الدنيا والآخرة والحياة والموت والطاعة والمعصية والجنّة والنار ، وكذلك أردت في تقديري وتدبيري ، وبعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم ، وأجسامهم ، وألوانهم ، وأعمارهم ، وأرزاقهم ، وطاعتهم ، ومعصيتهم ، فجعلت منهم الشقي والسعيد ، والبصير ، والأعمى ، والقصير ، والطويل ، والجميل ، والدميم ، والعالم ، والجاهل ، والغني ، والفقير ، والمطيع ، والعاصي ، والصحيح ، والسقيم ، ومن به الزمانة ، ومن لا عاهة به . فينظر الصحيح إلى الذي به العاهة ، فيحمدني على عافيته ، وينظر الذي به العاهة إلى الصحيح ، فيدعوني ويسألني أن أعافيه ، ويصبر على بلائي فأثيبه جزيل عطائي ، وينظر الغني إلى الفقير فيحمدني ويشكرني ، وينظر الفقير إلى الغني فيدعوني ويسألني ، وينظر المؤمن إلى الكافر فيحمدني على ما هديته . فلذلك خلقتهم لأبلوهم في السرّاء والضرّاء ، وفيما أعافيهم ، وفيما أبتليهم ، وفيما أعطيهم ، وفيما أمنعهم ، وأنا اللّه الملك القادر ، ولي أن أمضي جميع ما قدّرت على ما دبّرت ، ولي أن اغيّر من ذلك ما شئت إلى ما شئت ، واقدّم من ذلك ما أخّرت ، واؤخّر من ذلك ما قدّمت ، وأنا اللّه الفعّال لما أريد ، لا أسأل عما أفعل ، وأنا أسأل خلقي عمّا هم فاعلون » « 1 » . * بيان إنما « ملئوا السماء » لأن الملكوت إنّما هو في باطن السماء ، وقد ملئوه وكانوا يومئذ ملكوتيّين كما عرفت ، وأمّا السرّ في تفاوت الخلائق في الخيرات والشرور واختلافهم في السعادة والشقاوة ، فسيأتي بيانه في باب السعادة والشقاوة إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) . الكافي 2 : 8 / 2 .